ابن النفيس
655
الشامل في الصناعة الطبية
وهذا البخار لا بد وأن يغلظ جوهر أرواح « 1 » الدّماغ ، وذلك بقوة برده وتكثّفه ، وبما فيه من الأرضيّة . فلذلك كان الإكثار من الخسّ يغلظ أرواح الدّماغ ؛ فلذلك تحدث عنه أمور : أحدها : كسر حدّة هذه الأرواح ، وتسكينها عن الحركة القويّة . فلذلك هو نافع من الجنون ، لإخماده شدّة حركة هذه الأرواح ، وشدّة الفكر ، ونحو ذلك . وثانيها : نقصان « 2 » أفعال هذه الرّوح . ولذلك ، فإنّ الإكثار من أكل الخسّ يحدث بلادة الذّهن والنسيان . وثالثها : ضعف في البصر . وذلك ، لأجل غلظ الرّوح البصري ، وضعف حركته . ولأجل برد هذا البخار وتبريده لأرواح الدّماغ ، وتسكينه لحركتها ، كان الخسّ غير مسكر ، بل مانع من السّكر ، وذلك إذا أكل مع المسكرات ؛ وسبب ذلك : أنّ إسكار المسكرات ، إنما يكون بما يتصعّد منها من الأبخرة المحرّكة « 3 » لأرواح الدّماغ ، تحريكا خارجا عن الأمر الطبيعي . والخسّ ببرده وتكثيفه ، يمنع من كثرة تصعّد الأبخرة من المعدة ؛ فلذلك يضعف فعل المسكرات . ولذلك فإنّ شارب الخمر إذا تنفّل « 4 » عليه بالخسّ ، قلّ سكره . ولأجل منعه لتصعّد الأبخرة ، هو شديد المنع لتولّد الخمار ، ومانع له « 5 » بعد حدوثه ؛ لأنه يمنع من تزيّده . ولما كان الخسّ يقلّل الأبخرة المتصعّدة من المعدة ، فلا محالة أنه يبرّدها أيضا . فلذلك - مع أنه يضعف البصر - هو يقوّى البصر ، إذا كان ضعفه لأبخرة حارّة حادّة تتصعّد من الأبخرة ، من المعدة . وكذلك أيضا : الخسّ مع تبخيره : غير مصدّع . وذلك لأنّ بخاره - بقوّة برده - يخدّر ، ويلزم ذلك : ضعف الحسّ وذلك مانع من حدوث الصّداع ؛ فلذلك كان الخسّ غير مصدّع إذا أكل . لكنه بقوة برده ، ومنعه الأبخرة وتبريده لها ، وكسره لحدّتها ، هو شديد النفع من الصّداع الحادث عن الأبخرة الحادّة ، الصّاعدة من المعدة . وإذ بخار الخسّ يحدث تخديرا ما في الدّماغ ، فهو لا محالة : مضعف للحواسّ « 6 » كلها . وإذ بخاره ينوّم - بما قلناه - فروائحه تنوّم أيضا ، لأن روائحه تحدث من البخار المتصعّد منه ؛ فلذلك كانت مجاورة الخسّ نافعة من السّهر .
--> ( 1 ) ه : الأرواح . ( 2 ) مطموسة في غ . ( 3 ) غ : المتحركة . ( 4 ) : . تنقل . ( 5 ) - ن . ( 6 ) ه ، ن : لحواسه .